سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

68

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

أما قوة ذاكرته : فلا أدل عليها ، من تعلمه اللغة الفرنسية ، في أقل من ثلاثة أشهر ، حفظ في خلالها شيئا كثيرا من مفرداتها وصار قادرا على الترجمة منها وإفادة مراده بها ، بلا أستاذ ، إلا من علمه حروف هجائها بيومين . واسع الاطلاع في العلوم العقلية والنقلية وخصوصا الفلسفة القديمة وفلسفة وتاريخ الإسلام والتمدن الإسلامي وسائر أحوال الإسلام والمسلمين . كان يعرف اللغات الأفغانية والفارسية والعربية والتركية والفرنسية جيدا ، مع إلمام باللغتين الإنجليزية والروسية . كثير المطالعة ، لم يفته كتاب كتب في آداب الأمم وفلسفة أخلاقهم إلا طالعه . نعم لم يتوفق إني كل ما أراد وقضى ولم يدون إلا رسالة في إبطال مذهب الدهريين [ 1 ] ، ولكنه بث في النفوس روحاحية ، انتفع الشرق وأهله ببعضها وسوف ينتفع بأجمعها . وقبل أن نختتم سيرة جمال الدين ، نأتي على ما ذكره أدباء العصر ممن عاصره ، في مقدمتهم فقيد الأدب « أديب بك إسحق » ونقلته ملجة « الهلال » مع تصرف حيث قال : « قد تمر القرون وتتوالى الأجيال والناس على ما ساقتهم إليه الحاجة ، من شؤون معائشهم ، لا يفقهون غثها من سمينها ولا يدركون مبدأها ولا مصيرها ، حتى تتمخض الطبيعة ، فتلد من أبنائها أفرادا يميطون عن أسرارها اللثام ، فيرى الناس من ورائه شرائع ونواميس كانوا عنها غافلين ، أولئك هم أقطاب العلم وأنوار العالم ومنهم الفلاسفة الطبيعيون ، الذين مزقوا أستار الجهل وكشفوا غوامض الطبيعة ، فمدّوا سبل الاختراع والاكتشاف . ومنهم الفلاسفة العقليون ، الذين استطلعوا أسرار الحكمة المستترة وراء تلك النواميس وبيَّنوا ما أودعه الخالق في خليقته ، من المواهب العقلية والمكتسبات الأدبية ولكن الطبيعة لا تجود بواحد من أولئك الأفراد ، إلّا كل بضعة أعصر ، فيسير الناس على خطواته أجيالا ، حتى إذ كادوا يرجعون

--> [ 1 ] - وله مقالات ورسائل كثيرة أخرى ، طبعت في عشرة مجلدات : « الأعمال الكاملة » .